أهذا ما آلت إليه الأمور؟!عالم مادي تجرد من الشعور،ما لايعود عليك بعائد ملموس لهو درب من الجنون والمشاعر فيه ضعف يجب قتلها ببرود، سحقًا لعالم جعل السموجنونوكل ما يدنو لقاع الدنيا عقلموزون، ياله من عالم يدفعك للجلوس لتحسد ماضي يحمل بجعبته معنى الإنسانية، أوليين قدروا معنى السمو في زمان لم يعرف ترف الفساد وعشق المهابيل، زمن لم يعرف التطور الحضاري كمايدعون، يا لكم من بشر قلبتمالموازينأتعلمون لأكنمجنون عاقل فزمن عقلاءه مخابيل فخيرة الناس المجانين .
تسائلت كثيرًا ما هي السعادة ؟ و عندما جهرت بسؤالي للعلن لم ترحمني سُخريتهم، لكني حصلت على بعض الإجابات منها العمل وجمع المال، حسنا أنا أعمل ولكن هل أنا سعيد؟ أبى عقلي الإجابة وَوصلت إجابة آخرى عن سؤالي المعلن، أن أتزوج وأكون عائلة، ربما.. لا أدري حقاً إن كان هذا سيجعلني سعيدًا ولكن الأمر يذكرني بإلحاح أمي الدائم عليّ بأن أتزوج وأن عروسي موجودة وتغريني بأن هذا الزواج سيجعلني أعلى مرتبة في عملي ..حسنا الاستنتاج أن طرقهم تؤدي إلى المال لكن هل هو حقا سر السعادة؟ ورغم سيري مع القطيع إلا أن بداخلى شيء بقى يهدم اقتناعي بإجابتهم.
قطعت أفكاري برنين الهاتف وبتلقائية رفعته ليأتيني صوت جدتي :
-بيان هل يمكنك أن تأتي إليّ يا ولدي ؟
نبرة غريبة بصوتها جعلت الحيرة تعتليني ، متأكد أن شيء ما يزعجها استفسرت بهدوء:
-أحدث شيء جدتي ؟
لم تجب لثوان وعادت تقول :
-جدك بالمشفي الأن لقد كسرت ساقه–صمتت لتكمل بترجي- أريد منك أن توصلني له بيان
صمت ولم أجب نظرت لساعتي إذ بها العاشرة ماذا كان يفعل جدي يا ترى؟ أخترق صوتها المعاتب شرودي :
-هل عملك أهم من عائلتك ؟
-لا بالطبع .. أنا في طريقي إليكِ جدتي
صدمني سؤالها هل كنت بطريقة لا واعية أفكر بالعمل وأقلق عليه لكن... لم أعد أعرف كيف أفكر ؟!.. هل أغتربت عن نفسي؟!
شعرت بنظرات جدتي المصوبة إليّ، عندما وصلت إليها كانت هادئة مع ابتسامة مشفقة لا أعرف إن كانت تلك الشفقة موجهة إليّ أم إلى جدي لكن شيء ما يقول أنها من نصيبي ، فقلقها على زوجها الحبيب تحول لسخط عليه بعد أن كلمها و هو يسخر من الموقف كله فليكن الله بعونه فهي لن تتراجع عن تعنيفه وربما شد أذنه، بقيت أنقر مقود السيارة بضيق فالطريق متوقف والله وحده يعلم السبب حيث أن اغلب الطرق تتوقف عن الحركة دون أن تجد سبباً منطقيا لذلك
-اهدأ بيان فنقرك وعصبيتك لن تجعل السيارات تتحرك
قلت بعصبية :
-أنا لم آخذ سوى إذن لمدة ساعتين هكذا لن أتمكن من العودة لعملي أبداً
-كان يجب أن تاخذ اليوم إجازة يا ولدي –قالت معاتبة - منذ متى لم تاخذ إجازة بيان بخلاف الرسمي منها ؟
انطلقت ضحكة ساخطة ساخرة دون أذن مني فقطيت جدتي حاجبيها لتبرز أكثر تجاعيد وجهها الطيب و قالت بغضب مكبوت :
-اللعنة على عالمكم المادي الذي يجعل مكان القلوب حجارة ويجعل المرء عبداً لشهواته
نظرت لها متعجباً فهذه هي المرة الأولى التي تنفجر بها جدتي لدائما رأيت بعينيها كلمات صامتة و كنت اتسائل هل بيوم ستعلن عن أمتعاضها من نمط حياتي ولكن لم يخطر ببالي إن يكون وقته الآن ، أكملت حديثها الغاضب
-وتجرؤون على الشفقة على الأجيال السابقة لأنها لم تعاصر التكنولوجيا أتعلم بني نحن من نشفق عليكم وعلى عمى البصيرة المتنامي لديكم
-ما هي السعادة جدتي؟
لا أعلم لماذا سألتها و لكني أدرك أنها تملك إجابة لسؤالي ، أخترقت عينيها البندقيتن حواجز نفسي ، ما الذي تسبصره داخلي؟! ، أهي الحيرة ؟ أكيد فهذا حالي تائه و..حائر ، سحبت يدي وإحاطتها بيديها شعرت بدفئها يغمرني والحنان المطل من نافذات نظارتها الطبية اشعرتني بالسعادة
-أتعلم لا يمكنني إلقاء اللؤم عليكم بالكامل فالأهل يتمنون الأفضل لأبنائهم وفي طريقهم لتوفير الراحة المادية يهملون المعنوية فيخرج جيل فاقد للحس أكثر من الذي سبقه و يبقى إرضاء الذات كل ما يهم و تنبذ الإنسانية في صخب التطور المذعوم – تنفست بعمق و أكملت- السعادة تكمن في الرضا عن نفسك و عن ما تفعل ليس بإن تفعله لمجرد مجراة البقية فتصبح نسخة كباقى النسخ
-سيسخرون مني إن فعلت ما أريد
قلت هذا بصوت متحشرج لتاتي إجابة غريبة لم أتوقعها
-أتعلم لم بعث الأنبياء بني ؟
ظهرت دلائل الاستغراب على وجهي فأكملت :
-بعثوا لأن البشر يفقدون أنفسهم و يحجرون قلوبهم و تتوه الروح في عالم خاو لا تعرف كيف تسمو وتصبح المشاعر الإنسانية أسطورة يتغنى بها الشعراء رغم أنها ما تجعل الحياة حياة ،و لكي تعبد الخالق يجب إن ينبض قلبك و يستشعر كل ما يحيط به فينطق لسانك "سبحان الله" أرسل الرسل لإحياء البشرية و كان الظالمين يسخرون منهم رغم أنهم بقرارة أنفسهم متاكدون أنهم على حق ولكن الكبرياء و الغرور و أوهام الدنيا تقيدهم وتنهرهم عن الاعتراف ، لاتحاول أن ترضي الناس ما دام قلبك ينبض و يشعر فهم وقتها يحسدونك لأنهم لم يعودوا يعرفون الطريق لإحياء قلوبهم فلا يبقى لهم سوى السخرية منك لهدمك و تكن مثلهم
نظرت أمامها و بقيت أنا غارق في كلماتها عندها ابتسمت و أعتدلت بجلستها :
-أنظر لقد فٌتح الطريق تحرك بيان
الحياة معاني متعددة تظهر بجلاء عندما يكون القلب نابض .. و مفتاح تلك المعاني الحب ، فما أبغض إن يختزل هذا المفتاح ليكون معنى واحد سطحى فالمشاعر سمو وليست قشور لا يمكن الحياة بقشور الأشياء بل بعمقها و ابعادها الحقيقية وقتها فقط ستشعر أنك كائن حي لا ... بل تشعر إنك إنسان حي و ليس بحمل زائد على أكتاف الحياة .
هواء تعطر بخلطات الأدوية ، أطباء راكضون بالأنحاء، ممرضات بعضهن راكض خلف الأطباء والبعض الآخر يثرثرن فيما لايعنيهن ..على الأغلب ، مزعج جو المشفى أم..يا ترى مزاجي المتذبذب بين الحيرة القاتلة و الإنزعاج الخانق هو ما يجعلني أظن ذلك ؟ .
صدى كلمات جدتي لا ينفك يهز أرجاء عقلي دون توقف و عندما قالت "لقد فُتح الطريق" حملت الجملة بباطنها أكثر مما تظهر وكأنها تخبرني كل شيء أمامك الآن حان وقت اصدار القرار، قبل ساعة من الآن ظننت حالي قانع بما لدي أما الآن.. أريد تدمير كل شيء!
-بيان ، هيا بنا فجدك ينتظرنا؟
حاولت ضحكة مجنونة الانطلاق بلا إذن مني ولكني بذلت جُهدي لكبح جماحها فجدتي بدت كطفلة صغيرة تستعد للدخول في شجار دموي مع أبن جيرانها .. لكنها كانا كذلك ..جيران ، فجدي الذي يكبرها بعشر سنوات كانت هوايته إزعاج جدتي و إثارة غضبها فقط ليصالحها بشرائه لحلواها المفضلة، في بعض الأحيان أشعر أنهما طفلان أحدهما في الستين و الآخر في السبعين ، ظننت بعد هذا العمر الذي قضياه معا سيشعران بالملل من بعضهما كما يحدث الآن لا يتجاوز عمر زواج الناس خمس سنوات و تجدهم لا يطيقون النظر في وجوه بعضهم البعض و يقتل الحب طفلا صغيرًا تحت أنقاض الزواج الفاشل.
وقفت بالباب أراقبهما معا و على وجه جدي الأسمر المجعد ابتسامة مشاكسه تثير حنق جدتي التي ثأرت قائلة:
-يالله لا اعرف كيف تسخر من كل هذا؟ أنظر إلى نفسك الآن ،قدم مربوطة و بنطال ممزق إن وضعك فوضوي للغاية
رد جدي بهدوء مرح وهو يعدل وضع ياقة قميصه الأبيض و يرجع للخلف خصلات شعر وهمية ليس لها أدنى وجود برأسه الأصلع و فجأة رفع وردة حمراء ندية لا أعرف من أين أحضرها وقال كعاشق ولهان:
-آسف صغيرتي لكن لم أحب نبرة القلق فى صوتك، يمكنني تحمل سخطك ولكن لا أحب أن أُقلقلك
رفعت حاجبي متعجبًا فقد احمر وجه جدتي خجلا وأخذت الوردة منه ماضية في الكلام بمحاولة فاشلة لتقنعه بأنها لاتزال غاضبة عليه
-لاتظن أنك نجوت مني
لم استطع الاحتمال اكثر ودوت ضحكتي في جو الغرفة لينظر لي جداي بحيرة تأملتهما طويلًا من بين ضحكاتي لكم أحسدهما و لربما أغار منهما فهناك شيء عميق جدًا لا استطيع فهمه أهذا هو الحب ذلك الحنو والاحترام، تلك المشاعر المكللة بالصمت بينهما و عيون تقول مهما فعلت من حماقات ستجد ابتسامة سعيدة تسال هل من مزيد؟!، لا أعرف بماذا أفكر وَكذلك ليس لدي فكرة عن معنى ما رأيته بينهما الآن.. اتسائل كيف تحول أبي لذلك الشخص الذي هو عليه وقد رباه هذان الشخصان؟! ولكن لربما جدتي محقة في طريق السعى نسى أهمية أن يشعر, قال جدي موقفًا ضحكاتي المجنونة:
-غريب رؤيتك تضحك هكذا بيان ماذا هناك؟!
لا أعلم لم صمت هل يُمكن أن ينقلب حال الإنسان في لحظة فلقد حدث الكثير في ساعة واحدة أنا لا اعرف حقا ماذا حدث؟! ولكن شعرت كمن تحرر من قيد ما لربما عليّ حقا قبول دعوات جداي في العيش معهما بعد أن تشتت شمل أسرتي، وقتها سأجد سببًا للضحك وأجد أفكار تداعب خيالي وتهدهد جفوني للنوم على أمل الاستيقاظ واكتشاف أشياء جديدة في الحياة
تبادل جداي نظرات عميقة راضية، الآن و لأول مرة أتسائل ما الذي قد أجلس لأتذكره و اضحك عليه عندما أصل لعمرهما ؟! و جاءت الإجابة سريعة لا شيء
تقدمت من جدي وقلت له :
-متأكد أنه ليس هناك مشكلة بخروجك جدي ؟
قال بمرح وهو يلوح بيديه:
-متأكد أنه مجرد إلتواء بسيط لا تخف سأكون بخير
هززت رأسي بالإيجاب والدموع تترقرق من عينياي وهذه هي المرة الأولى التي أعرف أنني قادرٌ على البكاء ضمتني جدتي في أحضانها وهي تربت على ظهري بحنو و جدي يمسك بيدي بتشجيع، صمت صاخب تخضع الضوضاء لضجيجه لا أعرف ماذا يحدث لي ولا أريد أن أفكر في تفسير حتى فيكفي إني سعيد .
خرجنا من المشفى وساعدت جدي ليجلس في المقعد المجاور لي و بعد إن تأكدت من راحته وما أن تحركت بالسيارة فكرت غداً سأقدم استقالتي وأعمل راعي غنم كما تمنيت دائمًا
ابتسمت مجددا و رمقت جداي اللذان لا ينفكان عن الحديث و الضحك ، أجل سأكون راعي غنم ربما هذا جموح اللحظة و ربما أغير رائي غدًا و لكن على الأقل أحلم بالغد .
ياااااي تخفة أووووووووي قصتك
ردحذفبتتحدث عن شيء موجود بالفعل في هذه الأيام و هذا شيء رائع
ما شاء الله عليك مبعدة